الحقوق الصحية للمرأة

فكتوريا شكري

 

سياسات وبرامج المنظمات الأهلية الفلسطينية نحو الحقوق الصحية للمرأة

تمثل هذه الورقة محاولة مهمة لملامسة دور المنظمات الأهلية في تمكين المرأة وتعزيز حقوقها الصحية والإنجابية مسترشدة بنموذج لجان العمل الصحي.

في البداية توضح الورقة الخصائص التي تميز المنظمات الأهلية الفلسطينية عن مثيلاتها في البلدان العربية والعالم، وخاصة عملها في ظل الاحتلال وفي مواجهة سياساته المدمرة وفي ظل النضال الوطني الفلسطيني من أجل نيل الاستقلال الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، إلى جانب تعرض المنظمات الأهلية الفلسطينية لضغوط هائلة من قبل الاحتلال الذي يفرض مراقبة دائمة لحركتها ويتدخل في برامج عملها، حتى وصل الأمر لحد إغلاق العديد من هذه المؤسسات وإبعاد قادتها خارج الوطن.

وتناقش الورقة دور المؤسسات الصحية في ظل انتفاضة الأقصى والعقبات التي تواجهها في تقديم الخدمات الصحية، بما فيها القيود على الحركة ونزع أي "حصانة" عن العاملين في القطاع الصحي. كما تطرق النقاش لأثر الاحتلال في إعاقة التنمية الصحية وتطور النظام الصحي الفلسطيني.

كما أولت الورقة اهتماماً بتزايد دور المنظمات الأهلية على مستوى العالم ومشاركتها الإيجابية في العملية التنموية. وترى الورقة أنه على الرغم من تواجد العمل الأهلي الفلسطيني منذ نصف قرن وقيامه بأدوار اجتماعية واقتصادية وسياسية، إلا أنه مازال قاصراً عن القيام بدوره على الوجه المطلوب في خدمة المجتمع في مختلف مناحي الحياة الصحية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، فدور المنظمات الأهلية الصحية البارز يفرض ضرورة تنسيق السلطة الفلسطينية وتعاونها معها في تنفيذ الخطط والبرامج الصحية.

فالقطاع الأهلي يشرف على 36.5% من المستشفيات العامة و22.3% من عيادات الرعاية الأولية. وتقدم 70% من هذه العيادات خدمات صحية للمرأة ضمن برامج وقائية إرشادية تستهدف المرأة في كافة مراحل عمرها، مع التركيز على الخدمات الوقائية المتمثلة في الكشف المبكر عن أورام الثدي وعنق الرحم، وخدمات الرعاية بعد الولادة وخدمات سن الأمان والمراهقة. كما كان لقطاع المنظمات الأهلية دور رئيس في إقرار السياسات الخاصة بصحة المرأة، والتي ارتكزت إلى المواثيق والاتفاقيات الدولية التي أقرت بها السلطة الفلسطينية والتزمت بتنفيذها.

المرأة والصحة:

ترى الورقة أن الصحة قضية اجتماعية واقتصادية وسياسية، وهي فوق كل شيء حق أساسي من حقوق الإنسان، وتعتبر اللامساواة والفقر والاستغلال والاضطهاد والعنف أسباباً جذرية لاعتلال الصحة والوفيات بين الفئات الفقيرة والمهمشة. لذا، فالصحة للجميع تعني أنه لا بد من تحدي مصالح جبارة ولا بد من معارضة العولمة ولا بد من إحداث تغيير جوهري في الأولويات السياسية والاقتصادية ولا بد من الالتزام بالقوانين التي تنص عليها المواثيق الدولية للتخلص من التمييز الواقع على المرأة بكافة أشكاله السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

تتأثر النساء بكثير من الأوضاع الصحية ذاتها التي يتأثر بها الرجال، وإن كانت المرأة تمر بها بصورة مختلفة. فشيوع الفقر والتبعية الاقتصادية بين النساء وما يصادفنه من عنف وحرمان، والافتقار إلى التأثير في عملية صنع القرار، هي من الحقائق الاجتماعية التي تترك أثراً معاكساً على صحة المرأة. فافتقار النساء والبنات إلى الغذاء كونه يوزع بصورة غير عادلة في الأسرة المعيشية، ونقص قدرتهن على الوصول إلى المياه المأمونة ومرافق الصرف الصحي وإمدادات الوقود، ولاسيما في المناطق الريفية والحضرية الفقيرة، وقصور أوضاع الإسكان تلقي جميعها بأعباء زائدة على كاهل النساء وأسرهن وتترك تأثيراً سلبياً على صحتهن.

من هنا نجد أن المؤتمر الرابع للمرأة المنعقد في بيجين عام 1995 قد أكد على ضرورة كفالة حق المرأة في التمتع بأعلى المستويات الصحية طوال دورة حياتها بشكل متساو مع الرجل. إن التطلع إلى العدل والتنمية المستدامة يأتي في صميم رؤية عالم أفضل - عالم تتحقق فيه الحياة الصحية للجميع يمكن تحقيقه من خلال برامج تنموية يتم تنفيذها ضمن استراتيجية وطنية مبنية على احترام وحماية الحقوق للمرأة. وعليه للمنظمات الأهلية الفلسطينية الصحية دور رئيس في إقرار السياسات السكانية والتنموية وتنفيذ البرامج ذات الصلة لتعزيز حقوق المرأة الصحية، مع العلم أن البرامج التي يتم تنفيذها ما زالت لا تشمل كافة القطاعات المعنية.

ظواهر اجتماعية تعكس انتهاكات حقوق المرأة الصحية:

ناقشت الورقة بعض الظواهر الاجتماعية التي تعكس انتهاكات حقوق المرأة الصحية والتي يحتاج التعامل معها إلى تعزيز برامج المنظمات الأهلية المعمول بها والعمل على إيجاد برنامج وطني متكامل للحد والتخلص من هذه الظواهر. من هذه الظواهر ظاهرة المغالاة في المهور والإسراف في احتفالات الزواج، مما يؤثر على قيمة المرأة التي تشبّه بسلعة يرتفع سعرها حسب العرض والطلب، ومما يؤثر أيضاً على قدرة الشباب على الزواج ويرفع نسبة النساء والشباب غير المتزوجين ويدفعهم إلى الزواج العرفي وغيره.

كما ترى الورقة أن ظاهرة الزواج المبكر من الظواهر الشائعة في المجتمع الفلسطيني بشكل خاص، والمجتمع العربي بشكل عام. ويتم تعداد الأسباب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي قد يكون لها دور في استدامة هذه الظاهرة. كما يتم التطرق إلى الانعكاسات السلبية لهذه الظاهرة على الأسرة وعلى صحة المرأة وعلى فرصتها للحصول على التعليم. وتشير الورقة في هذا الخصوص إلى أن المنظمات الأهلية استطاعت التأثير في فرض قانون التعليم الإلزامي ليصبح حتى الصف العاشر وعودة الفتيات المتزوجات للالتحاق بالمدرسة، ولكن لم تنجح لغاية الآن في التأثير على المستوى القانوني لتعديل السن القانونية للزواج.

من الظواهر الأخرى التي تناقشها الورقة ظاهرة الطلاق، حيث ترى أن كل الإحصائيات والدراسات سجلت زيادة في حالات الطلاق في المجتمع الفلسطيني لعدة أسباب، منها ظاهرة الزواج المبكر وتعدد الزوجات وتكرار الزواج، إضافة إلى العامل الاقتصادي والبطالة. ويلاحظ أن أكثر من ثلث وقوعات الطلاق قد تمت بين الأزواج الذين لم يمض على حياتهم الزواجية سنة واحدة.

ظاهرة أخرى هي تعدد الزوجات، تناقشها الورقة مشيرة إلى ارتباطها بالموروث الاجتماعي والثقافي الذي تتناقله الأجيال، وعلاقة تعدد الزوجات بالوجاهة والنفوذ والرغبة في إنجاب أكبر عدد ممكن من الأبناء لتكثير العشيرة أو العائلة ورفع مكانة الرجل في عائلته. تتعرض الورقة إلى المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بهذه الظاهرة.

كما أولت الورقة حزاً لا بأس به لمناقشة ظاهرة زواج الأقارب من خلال الإشارة إلى جذورها الثقافية والاجتماعية، ومن ثم إلى مخاطرها الصحية، وخاصة في حال وجود تاريخ مرضي وراثي لدى طرفي الزواج أو أحدهما. كما أشارت الورقة إلى حث الإسلام على تغريب النكاح لأسباب صحية واجتماعية، تحقيقاً لسلامة الأسرة وتكريساً لمبدأ التعارف بين العائلات. ومع ذلك، فما زالت نسبة زواج الأقارب تصل إلى 24.6% حسب نتائج المسح الصحي الديموغرافي 2003.

وأخيراً تناولت الورقة ظاهرة العنف الأسري وارتباطها بعلاقات القوة غير المتكافئة داخل الأسرة وفي المجتمع بصفة عامة، وتأثيرها على نمو شخصية الأطفال في الأسرة، مما يؤدي إلى خلق أشكال غير صحية من العلاقات والسلوك وأنماط من الشخصية مهتزة نفسياً وعصبياً. توضح الورقة أن أكثر أشكال العنف هي التي تمارس على المرأة بحكم بناء القوة والسلطة الذي يحكم علاقة الرجل بالمرأة داخل الأسرة وفي المجتمع. إلا أن الممارسات العنيفة تقع على الأطفال أيضاً في إطار علاقة الآباء بالأبناء داخل الأسرة، أو علاقة الكبار بالصغار في غيرها من المؤسسات الاجتماعية والتربوية.

كما تتناول الورقة بالنقاش علاقة الفقر والجوع بالعنف، حيث أن هذا العنف يعاد إنتاجه مرة أخرى داخل الأسرة بناءً على توزيع القوى الداخلي والخارجي، فيصبح الأطفال والنساء أكثر الفئات عرضة للاضطهاد والقهر. كما يرتبط الأمر بعمالة الأطفال وحرمانهم من فرصهم في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والتربوية والنفسية.

أهداف عمل المنظمات الأهلية وبرامجها: الهدف العام الذي تعمل المنظمات الأهلية من أجله هو: التعبئة والتأثير في التشريعات والقوانين والسياسات العامة لصالح تقوية وتمكين المرأة.

أما الأهداف المحددة فهي:

1. بناء الوعي المجتمعي بالحقوق. 2. تمكين المرأة وتزويدها بالمعارف والمعلومات والمهارات اللازمة والمتطورة. 3. تعزيز دور المرأة في صنع القرار وعمليات التغيير الاجتماعي. 4. تطوير البناء المؤسسي بما يتلاءم مع ثقافة الحقوق. 5. الضغط على صناع القرار بدعم من المرجعيات الجماهيرية.

البرامج التي تقوم على تقديمها المنظمات الأهلية لتعزيز الحقوق

الصحية للمرأة:

أولاً: برامج الرعاية الصحية وخدمات الصحة الإنجابية جنباً إلى جنب مع القطاع الحكومي، بما يشمل أيضاً تقديم خدمات إغاثية والتعامل مع حالات الطوارئ.

ثانيا: برامج التعزيز والتثقيف الصحي، والتي تتضمن العديد من النشاطات، ومن أهمها: الندوات والمحاضرات والمهرجانات والنشرات والوسائل التربوية والتعليمية المختلفة. كما تتضمن برامج الإرشاد النفسي، والتأهيل التربوي، وبرامج الشباب، وبرامج توعية المرأة، وغيرها من الأنشطة التي تساعد على خلق فرص أمام الفئات المجتمعية المختلفة للتعبير عن رأيها وتساهم في بلورة وعي مجتمعي بالحقوق. كما أن هذه البرامج تستهدف تقوية وتمكين المجتمع الفلسطيني وتزويده بالمعارف والمعلومات والمهارات للمساهمة الفعالة في صنع القرار وعمليات التغيير الاجتماعي. إن مكونات الثقافة السائدة التي تستند إلى العشائرية والفردية والنزعات الجغرافية الضيقة لا تتفق مع مقومات ومكونات بناء مجتمع مدني ديمقراطي، لذا تحاول المنظمات الأهلية أن تساهم في تغيير الثقافة السائدة عن طريق برامج التوعية المجتمعية.

ثالثا: برامج تعزيز وتنمية الموارد البشرية، والتي تتضمن برامج التعليم المهني المستمر للعاملين وتدريبهم على الحقوق وتطوير قدراتهم للمساهمة في عملية التمكين المجتمعي.

رابعاً: برامج التعبئة والتأثير وبناء التحالفات، والتي تهدف إلى التأثير في القوانين الحالية لصالح تقوية وتمكين المرأة، والنضال من أجل نظام صحي فلسطيني عادل، وإقامة العلاقات والصلات مع المؤسسات الصديقة، والاتصال الخارجي مع المؤسسات الدولية والتأثير في الرأي العام العالمي، والتنسيق بين الأطر النسوية، وإصدار المواد الإعلامية واستطلاعات الرأي وغيرها. تلاحظ الورقة أن النشاطات المختلفة التي تقع في إطار التعبئة والتأثير متفرقة ولا يجمعها مفهوم شامل ومندمج للتعبئة والتأثير، حيث لا يوجد مفهوم مهني متكامل لهذه العملية الهامة. فعلى سبيل المثال، إن النشاطات الإعلامية كعنصر هام من عناصر أية حملات ناجحة للمناصرة والتأثير تكاد تكون معدومة، ولا توجد استراتيجية إعلامية واضحة للمؤسسات التي تعمل في هذا المجال. كما أن العلاقة مابين استراتيجية الضغط على صناع القرار وبناء الوعي الجماهيري والتعبئة الجماهيرية تكاد تكون غائبة. أي أن الربط بين العناصر المختلفة لبرنامج مهني يتعلق بالتعبئة والضغط (أبحاث السياسات، والتشبيك وبناء التحالفات، وبناء المرجعيات الجماهيرية، والإعلام، والضغط، والبناء المؤسسي) ضعيف جداً.

خامساً: برامج دعم حقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية، والتي ترتبط بشكل مباشر بدور المنظمات الأهلية في بناء المجتمع المدني المنشود وتعزيز التنمية. تركز هذه البرامج على دعم حقوق الأطفال والمعاقين والنساء، وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتوثيق الانتهاكات، وحماية واحترام حقوق الإنسان طبقا للمعايير الدولية.

الفجوات:

-   نظام المعلومات وقاعدة البيانات المتوفرةلا تلبي الاحتياج في عملية التخطيط والتقييم على أساس الحقوق.
-   رفع الوعي المجتمعي حول النساء لم يستهدف كل القطاعات ”الرجال والقادة المجتمعيين والميدانيين“.
-   خدمات تشخيص العقم وسرطان الثدي والرحم مكلفة جداً ولا يتمكن الفقراء من الوصول إليها.
-   الحقوق الإنجابية تكاد تقتصر على الصحة الإنجابية للمرأة، والبرامج التي يتم تنفيذها للرجال والشباب قليلة جداً.
-   على الرغم من استهداف المرأة في كل مراحل عمرها، يظل التركيز على المرأة في فترة الإنجاب أكثر بروزاً.
-   يغلب التركيز على الجانب البدني في الحقوق الإنجابية أكثر من النفسي والاجتماعي.
-   آليات حماية الحقوق الصحية للمرأة غير واضحة وغير فاعلة.

توصيات تتعلق بالسياسات والبرامج الصحية:
-   أن تراعي السياسات والبرامج الصحية الفوارق الاجتماعية-الاقتصادية وغيرها من الاختلافات فيما بين النساء وتأخذها في الحسبان عند وضع آليات التنفيذ.
-   وضع آليات تنفيذ لحماية صحة المرأة وتعزيزها والحفاظ عليها.
-   توفير أعلى مستوى من الخدمات الوقائية والعلاجية كحق أساسي للمرأة.
-   تعزيز وتنمية الموارد البشرية في المؤسسات التي تعنى بصحة المرأة وخاصة في مواقع صنع القرار.
-   توفير الدعم المادي واللوجستي للمؤسسات التي تعنى بالمرأة.
-   تعزيز دعم برامج التثقيف والتوعية وتعزيز الوعي المجتمعي بالحقوق.
-   تعزيز برامج التعليم المهني المستمر للعاملين وتدريبهم على الحقوق وتطوير القدرات والاستشارات الفنية لديهم ليتمكنوا هم أنفسهم من القيام بعملية التدريب والتمكين المجتمعي.
-   بناء برنامج وطني في التعبئة والتأثير في التشريعات والقوانين والسياسات العامة ضمن استراتيجية إعلامية واضحة للمؤسسات.
-   إجراء أبحاث في المواضيع ذات الأهمية لصحة المرأة والطريقة التي تؤثر بها العوامل الاجتماعية والاقتصادية على صحة الفتيات والنساء من جميع الأعمار، وحول توفر الخدمات الصحية للفتيات والنساء وأنماط استفادتهن من هذه الخدمات، وحول قيمة برامج الوقاية من الأمراض وتحسين الصحة بالنسبة للنساء.
-   تبني نظام موحد لجمع المعلومات والبيانات عن صحة المرأة والطفل والبدء باستخدام ذلك النظام دون تأجيل.

فكتوريا شكري

مدير برنامج صحة المرأة والطفل / لجان العمل الصحي عن لجان العمل الصحي



29 تشرين الثاني 2006



 



......... Nedstat Basic - Web site estadísticas gratuito موقع صمم بنظام SPIP