فيلم وثائقي

فيلم "بدل" يتعالى على بطلاته


 

سيناريو واخراج: ابتسام مراعنة

انتاج: اسنات طرابلسي

مونتاج: سارة سالومون

تصوير: افيجال شبربر، دانيئيل ميران، يوسي ميران وابتسام مراعنة

موسيقى: اوري اوفير

"الزواج" حدث مركزي في حياة الأفراد، ولكل مجتمع العادات والطقوس المتعلقة به. وهو بمثابة صفقة تتم بين طرفين أساسها المصلحة المشتركة لتكوين العائلة التي تشكل أهم وحدات المجتمع.

مجتمعنا المحلي لا يزال في مرحلة انتقالية خاصة في موضوع الزواج، وهناك تفاوت في التعامل مع هذا الموضوع تبعًا لمكان السكن (قرية أو مدينة)، للمستوى الاقتصادي الاجتماعي والأكاديمي، ومستوى الوعي الذاتي.

زواج البدل أو "الشغار" أو "المقايضة"، كان أحد الطرق السائدة للزواج، وهو عبارة عن صفقة تتم بين عائلتين حيث تُزوّج كل عائلة فردين من أفرادها. غالبا ما كان زواج البدل يتم بين أزواج متقاربين في السن، والدافع من وراء اختياره كان مادياً حيث يوفر الطرفين نقود المهر (عوامل اقتصادية). واحيانا كان يتم مثل هذا الزواج لتزويج ابن أو ابنة يعانيان مشكلة ما، مثلا قِصر القامة او التقدم في السن.

لا تزال الابحاث نادرة جدا في موضوع الزواج في مجتمعنا الفلسطيني المحلي. أغلب المقالات التي تتناول هذا الموضوع تطرحه من المنظور الديني. كذلك الأمر بالنسبة لزواج البدل "الشغار"، فهو مُحرّم في الاسلام لما يسببه من مشاكل، ولكن البعض يُجيزه في حالة دفع المهر المتبادل.

ليست هناك معلومات دقيقة حول انتشار زواج البدل، ولكن الاكيد أنه لم يعد منتشرا كما كان الحال قبل أعوام قليلة. بعض الأبحاث حول العادات والتقاليد تشير الى ان زواج البدل كان عادة سائدة قبل 1948.

فيلم "بدل" للمخرجة ابتسام مراعنة هو محاولة لعرض زواج البدل كمشكلة اجتماعية، ولكن من منظور شخصي جدا. المخرجة نفسها كانت مرشحة لمثل هذا الزواج ورفضته. أمها بمثابة خاطبة تؤمن أن جمع رأسين في الحلال هو عمل يعود عليها بثواب. أما أم وجيه، بطلة الفيلم إن صح التعبير، فهي عمة المخرجة. وقائع الفيلم تحدث في كفر قرع.

الفيلم يعزل موضوع زواج البدل عن الواقع الاقتصادي الاجتماعي والسياسي. ويخلق هذا الانطباع لدى المشاهد بان أم وجيه التي تمثل التقاليد والعادات البالية، هي سبب كل المشاكل. فهي التي زوجت جميع أبنائها وبناتها بهذه الطريقة، وهي التي تريد أن تزوج ابنها وجيه، الأرمل ابن ال42 عاما، لتضرب عصفورين بحجر - تزوجه وتزوج ابنته البكر ميادة ابنة ال21 عاما، لأخ وأخت يوافقان على هذه الصفقة. يصور الفيلم حالة الفقر التي تعيشها هذه العائلة، ولكنه يتجاهلها ولا يبرزها كعامل من عوامل اختيار زواج البدل.

بجوار أم وجيه تسكن عائلة ميرفت ومحمد. وتمثل هذه العائلة النقيض لعائلة أم وجيه. فميرفت ومحمد لم يتزوجا زواج بدل، ويعيشان بانسجام تام مع ابنهما وابنتهما في بيت تسوده أجواء الحوار والرفاهية. محمد هو الزوج المثالي، يطبخ وينظف البيت، وميرفت تعمل موجِّهة لتثقيف النساء المقموعات! ويبرز هذا تعاسة بنات وجيه، خاصة ميادة وملاك. وقد دأبت المخرجة على إظهارهما في المطبخ في أغلب لقطات الفيلم، مقابل ميرفت التي تسافر بسيارتها لعملها، او تزين كعكة الشكولاطة مع ولديها، تشرب القهوة وتدخن مع زوجها في الشرفة.كان من الممكن لهذا الفيلم أن يعرض بصورة نقدية تعامل مجتمعنا الأبوي السلطوي مع أبنائه وبناته، خاصة في موضوع الزواج. ولكن للأسف تجنبت المخرجة الدخول في تعقيدات الامر، واكتفت بعرض سطحي للمشكلة كما لو كانت الامور أسود وأبيض: فهناك تعاسة من اختار (ليس دائماً بارادتهم) الطريق التقليدي للزواج، مقابل سعادة من تمردوا على التقاليد، مثل الجارة ميرفت، والمخرجة نفسها.

المخرجة تتدخل بطريقة متعالية في الحوار بين ميادة الابنة البكر التي تقبل ترشيحها لزواج البدل، وبين ملاك أختها، أبنة ال19 التي ترفض مثل هذا الزواج. ولا تخلو من التعالي ايضا المداخلات الاكاديمية التي تطرحها بمناسبة وبدون مناسبة الجارة ميرفت، وهي تفسر وضع جيرانها ووضع المجتمع بشكل عام. كلام ميرفت غير كلام جيرانها، وعلى الأغلب غير مفهوم لهم. انها تعيش حياة تتمنى ان تعيشها ميادة وملاك، ولكنهما تعلمان جيدا أن الحظ لن يحالفهما مثلما حالف جارتهما.

كمشاهدة شعرت بكثير من الحرج من تعرية تعاسة عائلة أم وجيه على نحو ينقصه الكثير من الحساسية لدقة الموقف. أم وجيه وحفيداتها يتكلمن دون حواجز أكاديمية وسينمائية، يتكلمن من صميم المعاناة اليومية في مجتمع يُقيَّم أفراده حسب نوع وسنة انتاج السيارة التي يستقلون والفيلا التي يسكنون. ولا أدري إن كانت "بطلات" الفيلم واعيات "لاستغلال" المخرجة لمحنتهن، وقرارها عرض مشكلتهن على الملأ.

دنيس اسعد

AL-SABAR

http://www.hanitzotz.com/alsabar/194/badal.htm



25 نيسان 2006



 



......... Nedstat Basic - Web site estadísticas gratuito موقع صمم بنظام SPIP